ابن الجوزي

166

بستان الواعظين ورياض السامعين

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إنّ السفينة لا تجري على اليبس فاعلموا يا معشر بني آدم أن الموت لا يترك منكم أحدا ، ولا يرحم والدا ولا ولدا ، فاجعلوه بين أعينكم منصوبا ، فإنه لا يترك الفرح كئيبا مكروبا ، فيقيننا يقين من يموت ، وأعمالنا أعمال من لا يموت ، كأن يقيننا بالموت مشوبا بالشك ، وكأن إيماننا بالبعث ممزوجا بالإفك ، ما هذه حال من أيقن بالحمام ، يعصي مولاه في الليالي والأيام . وأنشدوا : نحن من العمر في ظنون * وفي يقين من المنون ثمت لا نذكر المنايا * أليس ذا غاية الجنون [ 283 ] مثل الدنيا والموت ذكر عن بعض الصالحين أنه قال : رأيت في المنام رجلا وهو في برية وأمامه غزالة وهو يجري خلفها وهي تفر منه ، وأسد كأعظم ما يكون خلقة وقد هم أن يلحقه ، والرجل يرد رأسه وينظر إلى الأسد فلا يجزع منه ، ثم يجري خلف الغزالة حتى لحق به الأسد فقتله . فوقفت الغزالة ، تنظر إليه وهو مقتول ، إذ جاء رجل آخر قد فعل ما فعله المقتول فقتله الأسد ولم يدرك الغزالة ، فخرج آخر ففعل كذلك ، قال : فما زلت أعد واحدا بعد واحد حتى عددت مائة رجل صرعى والغزالة واقفة ، فقلت : إن هذا لعجب ! فقال الأسد : مم تعجب ؟ أو ما تدري من أنا ومن هذه الغزالة ؟ فقلت : لا ، فقال : أنا ملك الموت وهذه الغزالة الدنيا ، وهؤلاء أهلها يجدون في طلبها وأنا أقتلهم واحدا بعد واحد حتى آتي على آخرهن . فاستيقظت فزعا مرعوبا وأنشدوا : حتى متى وإلى متى نتوانى * وأظن هذا كله نسيانا والموت يطلبنا حثيثا مسرعا * إن لم يزرنا بكرة مسانا إنا لنوعظ بكرة وعشية * وكأنما يعني بذاك سوانا غلب اليقين على التشكك في الردى * حتى كأني قد أراه عيانا يا من يصير غدا إلى دار البلى * ويفارق الإخوان والخلّانا إن الأماكن في المعاد عزيزة * فاختر لنفسك إن عقلت مكانا وانظر لنفسك إن أردت تعزّها * قبل الممات ولا تكن مهوانا